حين يفقد الأب مكانته في بيته
أزمة احترام تهدد الأسرة والمجتمع
بقلم: عبد القادر فاضل
من أخطر الظواهر التي بدأت تتسلل إلى بعض الأسر في وقتنا الحاضر تراجع مكانة الأب داخل البيت حتى أصبح في بعض الحالات مهمشا بين أفراد أسرته لا يستمع إلى رأيه ولا تحترم قراراته ولا يؤخذ بتوجيهاته كما كان الحال في السابق. إنها ظاهرة تستحق الوقوف عندها لما تتركه من آثار سلبية على الأسرة والمجتمع.
فالأب ليس مجرد شخص يوفر متطلبات المعيشة بل هو عماد الأسرة وركنها الأساس وصاحب المسؤولية الأولى في توجيه الأبناء وحمايتهم ورسم الطريق أمامهم. وعندما يفقد الأب مكانته وهيبته داخل بيته، فإن الأسرة تفقد جزءا كبيرا من توازنها واستقرارها.
وللأسف باتت بعض الأسر تعاني من تصرفات مؤلمة تصدر من الأبناء تجاه آبائهم تتمثل في رفع الصوت عليهم ومقاطعتهم أثناء الحديث وعدم تنفيذ توجيهاتهم، بل أحيانا مجادلتهم بأسلوب جارح يفتقر إلى أبسط معاني الاحترام والتقدير . والأخطر من ذلك أن بعض الأبناء يتخذون قرارات مصيرية تخص حياتهم ومستقبلهم دون استشارة آبائهم أو حتى إبلاغهم بها.
هذه التصرفات لا تنشأ من فراغ بل هي نتيجة عوامل متعددة منها ضعف التربية الأسرية والانشغال عن متابعة الأبناء وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي منحت بعض الشباب شعورا زائفا بالاكتفاء عن نصائح الكبار وخبراتهم. كما أن بعض البرامج والمحتويات الإعلامية ساهمت في التقليل من صورة الأب وتهميش دوره داخل الأسرة.
إن الأب الذي أفنى سنوات عمره في العمل والتعب من أجل توفير حياة كريمة لأبنائه يستحق أن يعامل بالاحترام والعرفان لا بالتجاهل والجفاء. فمهما بلغ الأبناء من العلم أو النجاح فإنهم يبقون مدينين لوالديهم بما قدموه من تضحيات وجهود لا تقدر بثمن.
وليس المقصود من احترام الأب الطاعة العمياء أو مصادرة رأي الأبناء بل المقصود الالتزام بأدب الحوار، وتقدير مكانة الأب، والاستماع إلى نصائحه، والتعامل معه بما يليق بفضله ومكانته. فالاختلاف في الرأي أمر طبيعي أما الإساءة والتقليل من الشأن فهما أمران مرفوضان أخلاقيا واجتماعيا.
إن المجتمعات التي تضعف فيها مكانة الوالدين تفقد جزءا من منظومتها الأخلاقية، لأن الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان معاني الاحترام والالتزام والمسؤولية. وإذا لم يتعلم الابن احترام أبيه داخل البيت فكيف سيتعلم احترام الآخرين خارج البيت؟
إن إعادة الاعتبار للأب ليست مسؤولية الأسرة وحدها بل هي مسؤولية المجتمع كله، من المؤسسات التعليمية إلى وسائل الإعلام والمنابر الثقافية والدينية. فالأب ليس مجرد فرد في الأسرة بل قيمة تربوية وإنسانية ينبغي الحفاظ عليها.
كلمة أخيرة
ليس من المؤلم أن يكبر الأبناء ويستقلوا بحياتهم، فذلك سنة الحياة ولكن المؤلم حقا أن يكبر بعضهم وينسون اليد التي احتضنتهم، والصوت الذي أرشدهم والقلب الذي خاف عليهم أكثر مما خاف على نفسه.
فاحترام الأب ليس واجبا اجتماعيا فحسب بل هو خلق نبيل ودين وقيمة إنسانية سامية. وحين يفقد الأب مكانته في بيته لا يخسر هو وحده، بل تخسر الأسرة تماسكها ويخسر المجتمع إحدى أهم ركائزه التي يقوم عليها


















































">
">




